صديق الحسيني القنوجي البخاري

468

فتح البيان في مقاصد القرآن

أنهم جعلوا دينهم متفرقا فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه ، قيل المراد بهم اليهود ، قاله مجاهد ، وقيل اليهود والنصارى ، وبه قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك . وقد ورد في معنى هذا في اليهود قوله تعالى وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 4 ] وقيل المراد بهم المشركون ، عبد بعضهم الأصنام وبعضهم الملائكة وبعضهم الكواكب ، فكان هذا هو تفريق دينهم . وقال أبو هريرة : هم أهل الضلالة من هذه الأمة ، وقيل الآية عامة في جميع الكفار وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به اللّه ، وهذا هو الصواب لأن اللفظ يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب وطوائف المشركين وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام . وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والحكيم الترمذي والشيرازي في الألقاب عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الآية قال « هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة » وفي إسناده عبد بن كثير وهو متروك الحديث ولم يرفعه غيره من عداه وقفوه على أبي هريرة ، وعن أبي أمامة قال هم الحرورية ، وروي عنه مرفوعا ولا يصح رفعه . وعن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لعائشة : « يا عائش إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة وهم مني براء » ، رواه الطبراني والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم . قال ابن كتير هو غريب لا يصح رفعه . فعلى هذا يكون المراد من هذه الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع المضلة . وروى أبو داود والترمذي عن معاوية قال : قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : « ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة » « 1 » ، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم « إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة ، قالوا : ومن هي يا رسول اللّه ؟ قال : من كان على ما أنا عليه وأصحابي » « 2 » أخرجه الترمذي . وَكانُوا شِيَعاً أي فرقا وأحزابا فيصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحدا مجتمعا ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب ويباين الحق .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 1 ، والترمذي في الإيمان باب 18 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 18 .